فنون وثقافة

لغز غرق أسمهان: الساعات الأخيرة والمؤامرة التي اغتالت “أميرة الفن”

لغز غرق أسمهان: الساعات الأخيرة والمؤامرة التي اغتالت “أميرة الفن”

لم يكن يوم 14 يوليو من عام 1944 يوماً عادياً في تاريخ الفن العربي؛ ففيه انطوت صفحة واحدة من أكثر الأصوات شجناً وجمالاً، وأكثر الشخصيات غموضاً في القرن العشرين. أسمهان، أميرة جبل الدروز التي سحرت الشاشة الفضية، لم تترك خلفها إرثاً فنياً عظيماً فحسب، بل تركت لغزاً مفتوحاً لم يُحل حتى يومنا هذا.
بين أروقة المخابرات الدولية، وكواليس السينما المصرية الكلاسيكية، وتنبؤات الموت التي طاردتها، ترسم قصة رحيل أسمهان مشهداً شديد الدرامية، يفوق في حبكته أعظم أفلام الإثارة.

أميرة الدروز التي خطفت الأضواء

آمال الأطرش، التي عُرفت فنياً باسم “أسمهان”، لم تكن مجرد مطربة ذات صوت ملائكي نافس كبار نجوم عصرها، بل كانت أميرة تنتمي لعائلة عريقة. صعد نجمها بسرعة صاروخية إلى جانب شقيقها الموسيقار فريد الأطرش، وتألقت في روائع السينما، لتصبح اسماً لامعاً تتهافت عليه شركات الإنتاج. لكن حياتها القصيرة والمتقلبة كانت تخفي خلف بريق الشهرة أسراراً خطيرة.

الساعات الأخيرة.. هاجس الموت يطاردها

تُعد الساعات الأربع والعشرون الأخيرة في حياة أسمهان من أكثر الصفحات إثارة في سيرتها.
صباح 14 يوليو 1944:
استيقظت أسمهان في مزاج جيد، طلبت فطوراً خفيفاً، وارتدت فستاناً أنيقاً. كانت قد حصلت لتوها على إجازة قصيرة من تصوير المشاهد الأخيرة لفيلمها الشهير “غرام وانتقام” مع عميد المسرح العربي يوسف وهبي. كانت تبحث عن الاستجمام والراحة، فرافقتها صديقتها ومديرة أعمالها “ماري قلادة”، بينما كان السائق في انتظارهما للتوجه نحو مدينة رأس البر الساحلية.
قبل الحادث بساعات.. النبوءة المشؤومة:
في طريقها، وقبل أن تبلغ وجهتها، جلست أسمهان تتحدث مع صديقتها ماري عن المستقبل، وعن أفكارها حول الزواج مجدداً وحياتها الفنية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لكن رغم هذا التخطيط للمستقبل، سيطر عليها شعور غامض بالانقباض، ورددت أكثر من مرة عبارتها الشهيرة:

“لا أعرف لماذا أشعر أن أيامي قليلة…”

هذا الهاجس لم يكن وليد اللحظة، فقد أكد يوسف وهبي لاحقاً هذا الشعور العجيب قائلاً: “قبل يومين من الحادث، قالت لي: أشعر أن الموت يقترب… لم أكن أتصور أنها تنبأت بمصيرها.”

لحظة النهاية المأساوية

  • التاريخ: الجمعة، 14 يوليو 1944.
  • المكان: طريق ترعة الساحل، مدينة طلخا (محافظة الدقهلية)، في الطريق إلى رأس البر.
  • الحدث: بينما كانت السيارة تسير بسرعة عادية على الطريق الضيق المحاذي للترعة، وفي هدوء تام، انحرفت عجلة القيادة فجأة من يد السائق، لتهوي السيارة وتغوص في مياه الترعة العميقة.
    لم تستطع أسمهان ولا صديقتها ماري قلادة الخروج؛ حيث كانت نوافذ السيارة مغلقة بإحكام، لتلقى “أميرة الفن” مصرعها غرقاً مع صديقتها. أما المشهد الأكثر إثارة للريبة، فكان نجاة السائق الذي تمكن من القفز من السيارة قبل غرقها، أو الخروج منها بسلام في ثوانٍ معدودة، ليختفي بعدها تماماً من مسرح الأحداث!

لغز الوفاة.. حادث قضاء وقدر أم اغتيال مُدبر؟

رفض الكثيرون، من الجماهير والمقربين، تصديق الرواية الرسمية بأن الحادث كان مجرد قضاء وقدر. وتعددت الشواهد التي أحاطت الحادث بهالة من الشك والغموض:

  1. السيارة السليمة: نُشلت السيارة من المياه لاحقاً ولم يُعثر بها على أي خدش يُذكر يشير إلى تعرضها لاختلال في التوازن أو اصطدام، مما يرجح تعمد الإسقاط.
  2. اختفاء السائق: نجاة السائق دون غيره، واختفاؤه المريب لفترة طويلة بعد الحادث، جعل أصابع الاتهام تتجه نحو تلقيه رشوة لتنفيذ المهمة والهرب.
  3. لعبة المخابرات: لعل هذا هو الخيط الأقوى في القضية. تورطت أسمهان خلال الحرب العالمية الثانية في العمل مع المخابرات البريطانية (MI6) وحكومة فرنسا الحرة لإقناع زعماء جبل الدروز في سوريا بعدم التعرض للجيوش المتقدمة نحو سوريا ولبنان. ويُقال إنها اختلفت لاحقاً مع البريطانيين، وتواصلت مع المخابرات الألمانية، مما جعلها “ورقة محروقة” وخطراً يجب التخلص منه.
  4. الغيرة السياسية والفنية: امتدت الشائعات لتشمل شخصيات بارزة في القصر الملكي، حيث قيل إن الملكة نازلي كانت تشعر بغيرة شديدة من تقرب أسمهان لأحمد حسنين باشا.

مشهد الوداع.. ونهاية “غرام وانتقام”

نُقل جثمان أسمهان إلى القاهرة، وشُيعت في جنازة مهيبة حضرها كبار الفنانيين، وشخصيات سياسية بارزة، وآلاف من محبيها المصدومين. في جبل الدروز، نعاها أهلها بأسى بالغ، واعتبروا رحيلها “نهاية مأساوية لأميرة لم تعش حياة مستقرة قط”.
أما على الصعيد الفني، فقد وضع رحيلها المفاجئ يوسف وهبي في مأزق حقيقي، إذ لم تكن قد أكملت تصوير نهاية فيلم “غرام وانتقام”. اضطر وهبي لتعديل السيناريو ليُنهي حياة بطلة الفيلم في حادث أيضاً، واستعان بـ “دوبليرة” (بديلة) لتصوير بعض اللقطات البعيدة، ليخرج الفيلم إلى النور ويحقق نجاحاً أسطورياً، ممزوجاً بدموع الجماهير التي جاءت تودع نجمتها المفضلة.
خلاصة القول:
رحلت أسمهان وهي في السادسة والعشرين من عمرها، وتركت خلفها صوتاً لا يُنسى، وجمالاً حزيناً، وقصة ستبقى حية في ذاكرة السينما الكلاسيكية؛ قصة أميرة عاشت بين بريق الفن ودهاليز السياسة، وانتهت حياتها في لغز غامض استقر في قاع ترعة الساحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى