ثقافة المجتمع

حقيقة “الكونديسية”: هل هي السر الخفي للثراء أم مجرد وهم طاقي؟

حقيقة “الكونديسية”: هل هي السر الخفي للثراء أم مجرد وهم طاقي؟

اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة “تيك توك”، في الآونة الأخيرة مقاطع فيديو تتحدث عن مفهوم غامض يُعرف بـ “الأمور الكونديسية” أو “الكونديسية”، مع ادعاءات قوية ومقترنة بالقسم بأن تطبيق هذه الأمور هو المفتاح الوحيد لجلب المال والرزق والسعادة. فما هي حقيقة هذا المصطلح؟ هل نحن أمام سر قديم من أسرار الوفرة، أم أنها مجرد صيحة حديثة تعيد تغليف مفاهيم “قانون الجذب” لأغراض تجارية؟

ما هي “الكونديسية”؟ (الجذور والمفهوم)

مصطلح “الكونديسية” لا ينتمي إلى أي مدرسة فلسفية قديمة أو علوم تاريخية أو باطنية موثقة، بل هو مصطلح حديث برز في الفضاء الرقمي، وارتبط بشكل وثيق بكتاب أو مسودة تُتداول باسم “الأوامر الطاقية لجذب المال” لشخصية ظهرت على الإنترنت تُدعى “نيوتن الكونديسي”.

تعتمد الفكرة الأساسية للكونديسية على أن الكون يعمل وفق ذبذبات وطاقات معينة، وأن الفقر أو الثراء ليسا سوى انعكاس لـ “الحالة الطاقية” للإنسان. ووفقاً لمروجي هذه الفكرة، فإن تغيير هذه الحالة من خلال طقوس وتوكيدات ذهنية معينة سيؤدي حتماً إلى تدفق الثروة والأحداث الإيجابية.

الركائز التي تقوم عليها “الأمور الكونديسية”

على الرغم من الغموض الذي يُحاط به هذا المصطلح لجعله أكثر جاذبية، إلا أن الغوص في تفاصيله يكشف عن مبادئ مستنسخة بالكامل من حركة “العصر الجديد” (New Age) وقانون الجذب، وتتركز في النقاط التالية:

  • إعادة برمجة العقل اللاواعي: يرى مروجو الكونديسية أن الإنسان يمتلك “بلوكات طاقية” أو معتقدات سلبية متوارثة حول المال (مثل: الاعتقاد بأن كسب المال يتطلب شقاءً مفرطاً). التطبيق الأول يبدأ بتفكيك هذه المعتقدات.
  • التوكيدات والأوامر الطاقية: استخدام جمل وعبارات معينة تُرَدَّد يومياً بصيغة الحاضر واليقين (مثل: “أنا أستقبل الوفرة الآن”)، باعتبارها “أوامر” تُرسل للكون لتسخير الظروف.
  • التوافق الذبذبي والشعور الاستباقي: لا يكفي التفكير في المال، بل يجب على الشخص أن يعيش الحالة الشعورية للثراء والرضا قبل حدوثه الفعلي، لكي “يجذب” الأحداث التي تتوافق مع هذا الشعور.

لماذا انتشر هذا المفهوم كالنار في الهشيم؟

تتغذى “الكونديسية” على حاجة إنسانية عميقة ومفهومة: الرغبة في تحقيق الأمان المالي بأقل مجهود مادي ممكن. في ظل التحديات الاقتصادية، يميل العقل البشري للبحث عن حلول سريعة. وقد لعبت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تضخيم هذه الظاهرة؛ فالمحتوى الذي يثير الفضول ويستخدم لغة الجزم واليقين (كأن يقول المتحدث: “والله لن ترى السعادة إلا إذا طبقت كذا”) يحقق نسب مشاهدات ومشاركات مليونية.

النظرة النقدية: بين علم النفس وصناعة الوهم

من منظور تحليلي، يمكن تفكيك ظاهرة “الكونديسية” إلى الأبعاد التالية:

  1. إيجابية التأثير النفسي: التفكير الإيجابي أمر صحي ويقلل من التوتر، وقد يدفع الشخص لالتقاط فرص كان يتجاهلها سابقاً بسبب نظرته التشاؤمية. لكن هذا يحدث نتيجة لـ “تغيير السلوك ومستوى التركيز” (Reticular Activating System في الدماغ)، وليس لأن الكون استجاب لترددات سحرية.
  2. خطر الإيجابية السامة: الاعتماد الكلي على “الطاقة” وتجاهل الأسباب المادية يُدخل الشخص في حالة من الانفصال عن الواقع والتواكل. الثراء يحتاج إلى تخطيط مالي حقيقي، تعلم مهارات جديدة، سعي في الأرض، وإدارة ذكية للموارد.
  3. التسويق وبيع الأوهام: الكثير من هذه المفاهيم تُستخدم كـ “قمع بيعي” (Sales Funnel) ذكي؛ حيث يتم جذب المتابعين بالمصطلحات الرنانة، لتمهيد الطريق لاحقاً لبيع جلسات استشارية، دورات تدريبية، أو كتب بأسعار مبالغ فيها تحت ستار “كشف الأسرار الخفية”.

الخلاصة

“الأمور الكونديسية” ليست سوى الوجه الجديد لعملة “قانون الجذب”، أُضيفت إليها هالة من الغموض لتناسب سرعة العصر الرقمي وتجذب الباحثين عن الثراء السريع. العقلية الإيجابية والإيمان بالوفرة هي بالتأكيد أسس نفسية مهمة للنجاح، ولكنها تظل مجرد “محرك داخلي” لا قيمة له دون أدوات وعمل على أرض الواقع. الثراء الحقيقي يُبنى بالعلم، والسعي، واقتناص الفرص، وليس بمجرد إطلاق الأوامر الطاقية في الفضاء الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى