الثقافة والتاريخ

أسرار شوارع الإسكندرية: الحكاية والتاريخ وراء أسماء أحياء عروس البحر المتوسط


المدن العريقة لا تُقاس فقط بعمر مبانيها أو سحر شواطئها، بل بالقصص التي ترويها شوارعها. وفي الإسكندرية، “عروس البحر المتوسط”، كل حي يحمل اسماً يعود إلى حكاية ضاربة في عمق التاريخ؛ فما بين علماء الأندلس، وأمراء المماليك، والخواجات، وقادة الجيوش، تشكلت فسيفساء هذه المدينة الساحرة.
في هذا المقال، نأخذكم في جولة عبر آلة الزمن لنكتشف معاً أصل تسمية أشهر أحياء ومناطق الإسكندرية.

1. عبق التاريخ الإسلامي: أولياء الله والعلماء

لطالما كانت الإسكندرية قبلة للعلماء وأولياء الله الصالحين، الذين تركوا أثراً باقياً حتى اليوم في أسماء أحيائها:

  • أبو العباس: نسبة للعارف بالله سيدي “أبو العباس المرسي”، القادم من مورسيا بالأندلس، والذي عاش ودفن في الإسكندرية.
  • الشاطبي: نُسبة إلى سيدي “محمد الشاطبي”، أحد علماء مدينة شاطبة بالأندلس، والذي أقام ودفن فيها.
  • سيدي جابر: نسبة للعارف بالله “سيدي جابر”، وهو أيضاً عالم أندلسي أقام في الإسكندرية.
  • سيدي بشر: نسبة للعارف بالله الشيخ الصوفي “بشر”.
  • أبو الدردار: نسبة إلى الصحابي الجليل “أبي الدرداء” من صحابة النبي (ص)، ويقع مدفنه فيها.
  • النبي دانيال: رغم الأساطير التي تربط المكان بالبحث عن قبر الإسكندر الأكبر أو النبي دانيال، إلا أن الحفائر أثبتت أن الاسم يعود للشيخ “محمد دانيال الموصلي”، أحد شيوخ المذهب الشافعي الذي قدم للمدينة أواخر القرن الثامن الهجري ودفن بمسجدها.

2. بصمات أجنبية: جالية الخواجات والكونتات

الجاليات اليونانية، والإيطالية، والإنجليزية كانت جزءاً لا يتجزأ من نسيج الإسكندرية الاقتصادي والاجتماعي في القرنين التاسع عشر والعشرين:

  • لوران: سُميت نسبة إلى “الخواجة لوران”، صاحب شركة سجائر شهيرة في القرن الـ 19، وقصره يشغل اليوم مدرسة لوران الثانوية للبنات.
  • زيزينيا: تيمناً باسم “الكونت زيزينيا”، تاجر القطن الإيطالي الشهير.
  • جليم (جليمونوبولو): نسبة إلى أحد اليونانيين البارزين وعضو المجلس البلدي للمدينة.
  • باكوس: سُميت على اسم سمسار يوناني كان يعمل في بورصة القطن.
  • جناكليس: نسبة للخواجة اليوناني “جناكليس”، صاحب مزارع العنب ومصانع تقطير الكروم.
  • سموحة: تعود لعام 1924 حين قام “يوسف سموحة” (وهو تاجر أقمشة يهودي من أصل عراقي) بتجفيف بحيرة الحضرة لإنشاء المنطقة.
  • بوكلي، شوتس، فلمنج، وإستانلي: جميعها أسماء لأعضاء إنجليز ومؤسسين في مجلس إدارة “ترام الرمل”.
  • سان إستيفانو: أطلقت شركة ترام الرمل هذا الاسم تخليداً لانتصار صربيا على العثمانيين (بمساعدة روسيا عام 1874) في موقعة سان إستيفانو، وبنت الشركة فندقها الشهير الذي حمل نفس الاسم.
  • الأزاريطة: محرفة من الكلمة الإيطالية “لازاريتا” والتي تعني الرمل والصحراء.

3. العائلة الملكية والقادة وكبار الدولة

بعض الأحياء ارتبطت بأسماء قادة وحكام تركوا بصمتهم في البنية التحتية للمدينة:

  • المحمودية: ترعة أمر بحفرها “محمد علي باشا” ونسبها للسلطان العثماني آنذاك “السلطان محمود”.
  • محرم بك: سُميت نسبة إلى “محرم بك”، زوج ابنة محمد علي باشا.
  • طوسون: تعود للأمير “طوسون”، حفيد محمد علي باشا، والذي استقرت أسرته بالمدينة.
  • الإسكندراني: نسبة لـ “حسن باشا الإسكندراني”، أمير البحر في عهد محمد علي باشا.
  • سابا باشا: أول مدير مصري (من أصل لبناني) لشركة “البوستة الخديوية” (شركة ملاحة بحرية)، وأصبح وزيراً للمالية لاحقاً.
  • راغب: نسبة لـ “راغب باشا” الذي كان يمتلك أراضي زراعية وحظائر ماشية بالمنطقة.
  • ونجت: نسبة إلى المندوب السامي البريطاني “سير ونجت”.
  • فيكتوريا: نسبة لكلية فيكتوريا، التي سُميت تيمناً بملكة بريطانيا في ذلك الوقت.

4. أحياء روت تاريخاً مهنياً وعسكرياً

أسماء أخرى استمدت هويتها من طبيعة المكان، أو مهنة سكانه، أو أحداث تاريخية قديمة:

  • المكس: كلمة مأخوذة من “المكوس”، وهي الضرائب التي كانت تُحصل من التجار القادمين من بلاد المغرب.
  • العوايد: المكان المخصص لتحصيل “العوائد” على المحاصيل الزراعية الداخلة للمدينة.
  • كامب شيزار: تعني “معسكر القيصر”، وارتبطت بالاعتقاد بأن يوليوس قيصر نزل بجنوده هناك لغزو مصر في أواخر العصر البطلمي، ولاحقاً أصبحت معسكراً للجند الرومان.
  • سوتر: تعني “المنقذ”، وهو لقب أطلقته جزيرة رودس على “بطليموس الأول” امتناناً لمساعداته لهم ضد الحصار.
  • كوم الشقافة: سُميت نسبة لـ “الشقف” (بقايا الفخار المكسورة) التي كانت تُلقى في هذه المنطقة.
  • كوم الدكة: نسبة لسكانها الأوائل الذين انتموا إلى قبائل “الدكة” النوبية.

5. جغرافيا المكان وشخصيات أخرى متنوعة

  • الدخيلة: تمثل المدخل القديم لمدينة الإسكندرية.
  • باب شرق: لوجود الباب الشرقي في السور القديم للمدينة، وما زالت بقاياه موجودة في منطقة الشلالات.
  • الحضرة: نسبة إلى “بحيرة الحضرة” التي رُدمت ليمر بها قطار السكة الحديد في عهد الوالي محمد سعيد باشا.
  • السلسلة: كانت عبارة عن سلسلة تمنع عبور الناس إلى حاجز الأمواج، وقيل أيضاً لوجود سلسلة من الجزر الصغيرة بالمنطقة.
  • المنشية: مصطلح حضري يطلق على المركز الرئيسي للمدينة، حيث كان هذا الحي مركزاً للنشاط التجاري وتجمعاً للقنصليات الأجنبية.
  • أمبروزوا: نسبة إلى العالم “لامبروزوا” مؤسس وواضع علم الجريمة.
  • أبو قير: نسبة إلى مدفن راهب قبطي كان يدعى “أبو قير”.
  • كرموز: نسبة إلى قس قبطي كان يُدعى “كارموس”.
    خاتمة:
    إن السير في شوارع الإسكندرية هو بمثابة تصفح لكتاب تاريخ مفتوح، تتداخل فيه الحضارات وتتعانق فيه الثقافات. في المرة القادمة التي تمر فيها بإحدى هذه المناطق، تذكر أنك لا تقف فقط على أرض مصرية، بل تقف على إرث صنعه المصريون واليونانيون والإيطاليون والأندلسيون معاً، ليصيغوا مجداً يُدعى “الإسكندرية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى