حين انكسر عميد المسرح: الوجه الآخر للأسطورة يوسف وهبي العملاق

حين انكسر عميد المسرح: الوجه الآخر لأسطورة يوسف وهبي
تتداول منصات التواصل الاجتماعي أحياناً صورة نادرة لعميد المسرح العربي، يوسف وهبي، وهو في حالة من الانكسار داخل مستشفى للأمراض العصبية. هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة، بل هي توثيق لواحد من أقسى الفصول في حياة فنان منح حياته للمسرح، لكنه وجد نفسه وجهاً لوجه أمام تراجيديا واقعية فاقت في قسوتها أي نص مسرحي قدمه.
مأساة “بثينة”.. اللحظة التي أوقفت الزمن
في عام 1957، فتح يوسف وهبي قلبه لمجلة “الكواكب” ليتحدث بمرارة عن الحادثة التي غيرت مجرى حياته. لم تكن الراحلة بثينة مجرد ابنة لزوجته السيدة سعيدة منصور، بل كان يعتبرها ابنته التي لم ينجبها.
كان وهبي هو الشاهد الوحيد على تلك اللحظة المأساوية؛ حين سقطت بثينة من فوق السور أمام عينيه. تلك الصورة انطبعت في ذاكرته كوشم لا يمحى، وأدخلته في دوامة من الانهيار العصبي الذي استلزم سفراً عاجلاً إلى جنيف.
بين محو الذاكرة والنوم القسري: خياران أحلاهما مر
في سويسرا، وأمام واحد من أكبر أطباء الأعصاب في العالم، وُضع يوسف وهبي أمام تقرير طبي يلخص حياته المليئة بالصخب والأمجاد. عرض عليه الطبيب خيارين للعلاج، وكلاهما يعكس حجم الألم الذي كان يعانيه:
- الخيار الأول (الجراحة الجذرية): شل عصب معين في المخ يؤدي لنسيان الماضي بالكامل. هذا يعني نسيان الفاجعة، لكنه يعني أيضاً محو 35 عاماً من المجد الفني والخبرة المسرحية.
- الخيار الثاني (التعطيل المؤقت): الدخول في حالة نوم متواصل لمدة شهر كامل لتعطيل التفكير ومنح الجهاز العصبي هدنة، ثم العودة للحياة تدريجياً.
مفارقة مؤلمة: من شدة يأسه، اختار “يوسف وهبي” الخيار الأول؛ أراد أن ينسى كل شيء حتى فنه. لكن الطبيب رفض بشدة، محذراً إياه من ندم لا ينفع حين يكتشف أنه فقد هويته وتاريخه، وأجبره على سلوك طريق “النوم الإجباري”.
23 يوماً من “الغيبوبة” المتعمدة
بدأت رحلة العلاج القاسية؛ حقنة منومة في السادسة صباحاً وأخرى في السادسة مساءً. عاش وهبي قرابة الشهر في برزخ بين الوعي واللاوعي.
لكن، حتى الأساطير يواجهون عثرات مادية؛ فبسبب نفاذ الأموال وتكلفة المستشفى الباهظة في جنيف، اضطر وهبي لقطع العلاج بعد 23 يوماً فقط، والعودة إلى مصر قبل استكمال المدة المحددة، فاقداً الكثير من وزنه، لكنه لم يفقد إيمانه.الفن كعلاج.. “العمل وحده هو السبيل”
عاد يوسف وهبي إلى مصر محملاً بالحزن، لكنه اتخذ قراراً حاسماً: الهروب إلى العمل لا منه.
- كثافة الإنتاج: بعد الأزمة، دخل وهبي في حالة نشاط فني غير مسبوقة.
- المسرح والسينما: حول ألمه إلى طاقة إبداعية جعلته يقدم أدواراً تعد علامات في تاريخ السينما.
- الاستمرارية: ظل يعمل حتى اللحظات الأخيرة من حياته، مؤكداً أن الفن كان “المشفى” الحقيقي الذي داوى جراحه.
ختاماً..
تبقى قصة يوسف وهبي درساً في المقاومة؛ فخلف الأضواء والملابس الفاخرة وصيحات “يا للهول” الشهيرة، كان هناك إنسان يتألم، اختار في النهاية أن يحتفظ بذاكرته بكل ما فيها من وجع، ليصنع منها مجداً يبقى خالداً في وجدان الفن العربي.