ملفات “أغرب من الخيال”: سفاح الجيزة.. بائع الوهم الذي عاش بوجوه ضحاياه

كثيراً ما نسمع أن القاتل يحوم حول مسرح جريمته، لكن ماذا لو قرر القاتل ألا يكتفي بقتل ضحيته، بل أن يسرق اسمها، هويتها، وحياتها بأكملها؟ قضيتنا اليوم ليست من أرشيف الماضي البعيد، بل هي كابوس حديث دارت فصوله في شوارع الجيزة المزدحمة بمصر. قصة رجل بوجوه متعددة، محامٍ، ومهندس، وطبيب.. ومجرم محترف دُفنت أسراره تحت بلاط شقة سكنية هادئة.
الضربة الافتتاحية: اختفاءات غامضة بلا أثر
تبدأ القصة في عام 2015، ليس بصرخة أو دماء، بل بصمت مطبق. المهندس “رضا”، شاب مصري يعمل في إحدى الدول العربية، يعود إلى وطنه لإنهاء بعض الاستثمارات مع صديق عمره ومحل ثقته “قذافي”. لكن بمجرد وصوله.. يتبخر في الهواء.
لم يكن “رضا” الوحيد الذي ابتلعته الأرض في محيط هذا الصديق؛ فبعد فترة وجيزة، تختفي زوجة “قذافي”، ثم شقيقة زوجة أخرى له، وبعدهم فتاة كانت تعمل لديه. بلاغات اختفاء تتراكم في أقسام الشرطة، والجميع يبحثون، بينما كان الصديق “المفجوع” يبكي مع عائلات المفقودين ويشاركهم رحلة البحث الوهمية!
مسرح الجريمة: المقبرة السرية تحت الأقدام
لم يكن مسرح الجريمة زقاقاً مظلماً أو أرضاً مهجورة، بل كان شقة سكنية عادية جداً في الطابق الأرضي بمنطقة “بولاق الدكرور” الشعبية.
هناك، تحت البلاط الذي كان يسير عليه الجيران ذهاباً وإياباً، استقر الضحايا. كان الجاني يستدرج ضحيته إلى تلك الشقة، يقدم لها عصيرًا مسموماً، وبدم بارد وحرفية مرعبة، يقوم بحفر مقبرة بعمق كافٍ في إحدى الغرف، يدفن الجثة، ثم يعيد تبليط الأرضية وكأن شيئاً لم يكن. الغرفة ذاتها شهدت دفن الصديق، والزوجة، والعاملة، في صمت تام دون أن يثير ذرة شك واحدة.
التحقيق (العقدة): رجل يعيش حيوات الآخرين
بينما كانت عائلات الضحايا تبحث عن مفقوديها في الجيزة، كان الجاني قد نسج خيوط لعبة شيطانية أبعد ما تكون عن الخيال.
لقد أدرك أن أسهل طريقة للهروب من جريمة هي أن “تختفي أنت أيضاً”. قام “قذافي” بسرقة أوراق صديقه المقرب “رضا”، وانتقل للعيش في مدينة الإسكندرية باسم صديقه المقتول! هناك، تزوج بأسماء وهمية، منها اسم صديقه، ومارس عمليات نصب واحتيال واسعة، وتزوج من عدة سيدات، بل وسرق مجوهرات إحداهن بحجة استثمارها. كان المحققون يبحثون عن شخص اختفى، بينما هو يعيش بينهم بهوية الضحية.
الخيط الرفيع: كاميرا مراقبة وصدفة تكشف المستور
ظل السفاح يلعب دور “رضا” ببراعة، حتى قرر سرقة شقة حماه (والد إحدى زوجاته في الإسكندرية). هنا، التقطته كاميرا مراقبة صغيرة لم ينتبه لها.
تم القبض عليه بتهمة السرقة، وحُكم عليه بالسجن باسم “رضا”. وفي هذه الأثناء، كانت عائلة “رضا” الحقيقي (الذي قُتل ودُفن في الجيزة) لا تزال تبحث عنه. ومن خلال محامٍ تابع بالصدفة قضايا تحمل اسم ابنهم، اكتشفوا أن هناك شخصاً مسجوناً في الإسكندرية يحمل اسم ابنهم المفقود!
ذهبت العائلة إلى السجن لزيارة ابنهم، لتكون الصدمة المدوية: السجين ليس ابنهم، بل هو صديقه المقرب “قذافي”!
المحاكمة والنهاية: حين تتحدث الجثث
انهار جبل الأكاذيب. وبمواجهة الجاني بالحقائق، بدأ يعترف بسلسلة الجرائم التي لم يصدقها المحققون في البداية لشدة قسوتها.
انتقلت فرق البحث الجنائي إلى الشقة المذكورة في بولاق الدكرور. ومع كل ضربة فأس يتم بها تكسير البلاط، كانت تنكشف جثة، لتتحدث العظام بعد سنوات من الصمت. وقف الجاني في قفص الاتهام، هادئاً كما كان دائماً، ليواجه أحكاماً متعددة بالإعدام شنقاً عن كل روح أزهقها.
أُسدل الستار على قضية “سفاح الجيزة”، لتتركنا أمام حقيقة مرعبة: أحياناً، لا يكون الخطر في الوجوه الغريبة التي نخشاها في الطرقات المظلمة، بل في الوجوه المألوفة التي تبتسم لنا كل صباح.
سفاحالجيزة #منأغربالقضايا #جرائمواقعية #أغربمنالخيال #قضاياغامضة #مصر #الجيزة #قصصحقيقية #تحقيقاتجنائية #جريمةوغموض #ملفاتالشرطة #قصصبوليسية