ملفات “أغرب من الخيال”: سفاح صنعاء.. ذئب المشرحة الذي اصطاد ضحاياه تحت ستار العلم

تُعد الجامعات منارات للعلم والأمان، وملاذاً للشباب الباحث عن مستقبل مشرق. لكن ماذا لو تحول هذا الحرم الآمن إلى مصيدة؟ وماذا لو كان الذئب يرتدي معطفاً أبيض، ويختبئ في المكان الوحيد الذي لا يجرؤ أحد على تفتيشه أو الشك فيه؟ قضيتنا اليوم تعود بنا إلى أواخر التسعينيات في العاصمة اليمنية صنعاء، حيث تكشفت فصول جريمة جعلت الدماء تتجمد في عروق كل من سمع بها.
الضربة الافتتاحية: اختفاءات غامضة في أروقة الجامعة
في عام 1999، سادت حالة من القلق والخوف بين أوساط الطلاب وعائلاتهم في جامعة صنعاء، وتحديداً في كلية الطب. طالبتان (إحداهما يمنية والأخرى عراقية) تبخرتا في ظروف غامضة وبفارق زمني قصير.
البلاغات تتوالى على مكاتب الشرطة. الفتاتان شوهدتا للمرة الأخيرة داخل الحرم الجامعي، ولم تخرجا منه أبداً. لا توجد أي أدلة على اختطاف، ولا توجد طلبات فدية، وكأن الأرض انشقت وابتلعتهما وسط آلاف الطلاب والأساتذة!
مسرح الجريمة: المكان المثالي لإخفاء جثة!
يقولون في علم الإجرام: “أفضل مكان لإخفاء شجرة هو الغابة”. وهذا بالضبط ما فعله الجاني. لم يكن مسرح الجريمة شقة مهجورة أو غابة نائية، بل كان “مشرحة كلية الطب”!
كان بطل هذه القصة المرعبة يعمل كفني تشريح ومسؤول عن حفظ الجثث (المخصصة لتدريس الطلاب). استغل الجاني صلاحياته المطلقة في هذا المكان الموحش الذي يفوح برائحة “الفورمالين”. كان يستدرج ضحاياه من الطالبات إلى المشرحة بحجة مساعدتهن في مراجعة الدروس العملية أو إعطائهن ملخصات هامة، وهناك، بين الجثث الباردة، كان ينقض عليهن. وبعد ارتكاب جريمته، كان يقوم بتقطيع الضحية وتذويب ملامحها، ليدمج عظامها مع الهياكل العظمية البشرية المستخدمة في قاعات الدراسة!
التحقيق (العقدة): البحث في كل مكان.. إلا المشرحة
وقفت أجهزة الأمن في حيرة من أمرها. تم استجواب مئات الطلاب والأساتذة، وتفتيش السكن الجامعي والمناطق المحيطة. لكن أحداً لم يفكر في تفتيش المشرحة! فمن ذا الذي يبحث عن جثة.. داخل مكان مليء بالجثث أساساً؟
كان فني التشريح يمارس عمله يومياً ببرود أعصاب يُحسد عليه. يشرح للطلاب، ويتناول طعامه، ويمزح مع حراس الأمن، بينما بقايا ضحاياه ترقد على بُعد أمتار قليلة منه. بدا وكأن “ذئب المشرحة” قد ارتكب الجريمة الكاملة التي لا يمكن اكتشافها.
الخيط الرفيع: صرخة أم ورائحة لا تكذب
كما علمنا أرشيف الجريمة، حبل الكذب قصير مهما طال. الخيط الرفيع هذه المرة لم يأتِ من خطأ تكتيكي، بل من إصرار “أم” مفجوعة.
والدة الطالبة العراقية المفقودة لم تستسلم لتقارير الشرطة. ظلت تجوب أروقة الكلية كالمجنونة تسأل عن ابنتها. وذات يوم، قادتها قدماها إلى القبو حيث تقع المشرحة. وهناك، لاحظت ارتباكاً غير مبرر على وجه فني التشريح حين سألته.
بالتزامن مع ذلك، بدأت رائحة تحلل غريبة (تختلف عن رائحة المواد الحافظة المعتادة) تنبعث من إحدى قنوات الصرف الخاصة بالمشرحة. أصرت الأم على إبلاغ الشرطة بشكوكها. وعندما اقتحم المحققون المشرحة، وجدوا ما لم يكن في الحسبان: ملابس نسائية مخبأة، وحلي ذهبية، وبقايا بشرية حديثة لا تمت بصلة للجثث التعليمية المسجلة في السجلات الرسمية!
المحاكمة والنهاية: السقوط في ساحة العدالة
أمام سيل الأدلة الدامغة داخل المشرحة، انهار “سفاح صنعاء” واعترف بجرائمه المروعة. أقر بأنه استدرج الطالبتين وقتلهما، بل واعترف في البداية بجرائم أخرى قبل أن يتراجع عن بعضها.
تحولت القضية إلى قضية رأي عام هزت الشارع اليمني والعربي بأكمله. وفي عام 2001، وسط حضور جماهيري حاشد، نُفذ حكم الإعدام بالرصاص في الجاني بساحة السجن المركزي، ليُغلق ملف “ذئب المشرحة”، ويبقى درساً قاسياً يثبت أن أقنعة البراءة والثقة قد تخفي خلفها أعتى وحوش البشرية.