ملفات “أغرب من الخيال”: وحش بغداد الذي أرعب العاصمة.. لغز “أبو طبر”

في سجلات الجريمة العربية، هناك قضايا تُغلق وتُنسى، وهناك قضايا تُحفر في الذاكرة بالدم والدموع، لتتحول إلى أساطير يتوارثها الناس بالهمس. قضيتنا اليوم من العاصمة العراقية بغداد، في أوائل السبعينيات.. حيث تحول الليل إلى كابوس، واسم واحد كان كفيلاً بتجميد الدماء في العروق.
الضربة الافتتاحية: رعب في شوارع هادئة
كانت بغداد في عام 1973 تعيش أزهى عصورها؛ شوارع آمنة، حياة اجتماعية صاخبة، وأبواب لا تُوصد بإحكام. لكن في ليلة وضحاها، تبدل كل شيء.
استيقظت العاصمة على سلسلة من الجرائم المروعة التي استهدفت عائلات بأكملها في أرقى أحياء بغداد. لم يكن القاتل يكتفي بالسرقة، بل كان يترك خلفه بحوراً من الدماء، مستخدماً آلة حادة لتهشيم رؤوس ضحاياهم وهم نيام. وسرعان ما أطلقت عليه الصحافة والشارع العراقي اسماً زلزل القلوب: “أبو طبر” (أي صاحب الفأس).
مسرح الجريمة: هدوء ما بعد العاصفة
عندما كان محققو الشرطة يصلون إلى مسارح جرائم “أبو طبر”، كانوا يقفون في حيرة تامة أمام مشهد متناقض بشدة.
- وحشية مفرطة: جثث الضحايا (رجال، نساء، وأطفال) ملقاة في غرف النوم، وقد هُشمت جماجمهم بضربات دقيقة وقاتلة باستخدام قضيب حديدي ثقيل أو فأس.
- برود أعصاب قاتل: ما كان يثير جنون المحققين ليس الدم، بل ما يفعله القاتل بعد الجريمة! كانت الأدلة الجنائية تشير إلى أن الجاني، وبعد إبادة العائلة، كان يتجه إلى المطبخ بهدوء تام، يفتح الثلاجة، يتناول الطعام، ويشرب الماء أو الشاي، وربما يدخن سيجارة وهو يجلس بالقرب من جثث ضحاياه قبل أن يغادر وكأن شيئاً لم يكن.
التحقيق (العقدة): مدينة خلف القضبان
مرت الأشهر، و”أبو طبر” يضرب من جديد متجاوزاً كل الإجراءات الأمنية. عاشت بغداد حالة من الهستيريا الجماعية:
- نفدت الأقفال الحديدية والأسلحة النارية من الأسواق.
- باتت العائلات تتناوب على الحراسة الليلية داخل المنازل.
- انتشرت الشائعات بأن “أبو طبر” ليس شخصاً واحداً، بل عصابة دولية، أو أنه شبح يمتلك قدرات خارقة تمكنه من القفز فوق أسوار الفيلات العالية.
كانت الشرطة تدور في حلقة مفرغة. لا بصمات واضحة، لا شهود عيان، والمسروقات غالباً ما كانت أشياء بسيطة لا تتناسب مع حجم المذبحة. بدا وكأن الجريمة الكاملة قد تحققت أخيراً.
الخيط الرفيع: غلطة الشاطر
في عالم الجريمة، مهما بلغ ذكاء المجرم وحذره، لابد أن تأتي اللحظة التي يتدخل فيها القدر ليفضح المستور. وكانت تلك اللحظة في مساء يوم 30 مارس 1974.
في حي “المنصور” الراقي، لاحظت سيدة عجوز تقف في شرفة منزلها حركة مريبة في الفيلا المجاورة التي تعود لطبيب معروف كان خارج المنزل. لمحّت السيدة ظلاً يتسلل من فوق السور. وبدلاً من الصراخ، تحلت بشجاعة نادرة واتصلت بشرطة النجدة فوراً بهدوء.
وصلت دورية الشرطة في صمت وطوقت الفيلا. وبدأ المفتشون بتفتيش الغرف المظلمة واحدة تلو الأخرى. وفي إحدى الغرف، وخلف باب خشبي، كان يقف رجل يحبس أنفاسه، بيده أداة الجريمة، وفي جيبه مسدس. تم الانقضاض عليه وتكبيله قبل أن يتمكن من المقاومة. لقد سقط “أبو طبر” أخيراً بسبب بلاغ بسيط من جارة يقظة!
المحاكمة والنهاية: الصدمة الكبرى
عندما أُضيئت الأنوار وكُشف عن وجه “أبو طبر”، كانت الصدمة التي ألجمت العراق بأكمله.
لم يكن وحشاً مشوهاً كما تخيل الناس، ولم يكن مجرماً محترفاً من قاع المدينة. كان رجلاً وسيماً، أنيقاً، شديد الذكاء، والأدهى من ذلك… كان ضابط شرطة مفصولاً!
اسمه الحقيقي “حاتم كاظم سلمان”، وكان يستغل خبرته الأمنية السابقة في معرفة كيفية تحرك الدوريات وتجاوز مسارح الجريمة دون ترك أدلة. اعترف حاتم بجرائمه ببرود شديد، وكشف عن معاونيه الذين كانوا من أفراد عائلته.
في قاعة المحكمة، وقف حاتم يستمع إلى سرد جرائمه دون أن يرف له جفن. وحُكم عليه وعلى شركائه بالإعدام شنقاً حتى الموت، ليُسدل الستار على واحدة من أغرب وأبشع القضايا في تاريخ المنطقة العربية، ولتثبت الأيام مجدداً أن: “العدالة قد تبطئ، لكنها لا تنسى أحداً، ولا توجد أبداً.. جريمة كاملة”.