في سجلات الجريمة، غالباً ما نبحث عن دوافع معقدة أو ماضٍ إجرامي أسود لنفهم كيف يمكن لإنسان أن ينهي حياة آخر. لكن في بعض القضايا، يكون الجاني هو الشخص الأقل توقعاً؛ إنسان مسالم، هادئ، بلا أي سوابق، يتحول فجأة إلى قاتل محترف يخطط لجريمته بدقة مرعبة.
قضيتنا اليوم، التي وقعت أحداثها المأساوية في حي المرج عام 2013، هي واحدة من أغرب القضايا التي تثبت أن النفس البشرية قد تتحول إلى قنبلة موقوتة إذا حوصرت لسنوات في زنزانة الضغط النفسي والقهر، ليصبح الانفجار في النهاية دموياً ومدمراً.
البداية.. زواج تقليدي بملامح خادعة
تعود الجذور الأولى للحكاية إلى عام 2002. كانت “منى” فتاة وديعة تبلغ من العمر 19 عاماً، تنحدر من أسرة بسيطة وطيبة عُرفت بحسن السمعة وتجنب المشكلات. في المقابل، كان “محمد” شاباً مكافحاً في العشرين من عمره، يعمل كعامل بسيط، ونشأ يتيماً تحت رعاية والدته التي تولت زمام كل تفاصيل حياته.
رأت والدة محمد في “منى” الفتاة المثالية والمطيعة لابنها، فتقدمت لخطبتها. تمت الزيجة سريعاً في أجواء تقليدية، وانتقلت العروس الشابة للعيش في شقة زوجية تقع في المبنى المجاور لسكن حماتها، وهو الشرط الذي وضعته الأم لضمان بقاء ابنها تحت جناحيها. كانت منى تظن أنها تبدأ حياة مستقرة قائمة على الاحترام، كما رأت في منزل والديها، لكن الواقع كان يخفي لها كابوساً طويلاً.
حصار من نار.. وسنوات من الكتمان
لم تكد تمر الأسابيع الأولى حتى اكتشفت منى الوجه الآخر لحياتها الجديدة. كان محمد منساقاً بشكل كامل ومطلق لوالدته، التي نصّبت نفسها الحاكم الفعلي لمنزل الزوجية؛ تتدخل في أدق التفاصيل، من مصاريف البيت وحتى طريقة إدارة منى لحياتها.
الأدهى من ذلك كان طبيعة الزوج نفسه، فقد كان يعاني من “بخل شديد”. ورغم أنه كان يجني مالاً جيداً من عمله، إلا أن أي طلب مالي بسيط من زوجته كان يتحول إلى ساحة معركة، حيث كان يتهمها دائماً بتبديد أمواله، وهي أفكار كانت حماتها تغذيها باستمرار.
وبعد مرور عام، رُزق الزوجان بطفلهما الأول “عبد الله”. بدلاً من أن يجلب الطفل البهجة، زادت الخلافات، حيث اعتبر محمد أن مصاريف الطفل تشكل عبئاً لا مبرر له، وامتد تدخل الحماة ليشمل حتى طريقة تربية الحفيد.
مرت 11 عاماً، وتصاعدت وتيرة العنف من البخل والتوبيخ إلى الإهانة والضرب المبرح. في مقابل كل هذا التعنيف، اتخذت منى قراراً مميتاً: “الصمت التام”. لم تخبر أهلها يوماً بما تعانيه، مفضلة الحفاظ على صورة زوجها وبيتها أمام عائلتها، لتتحول بمرور السنين من زوجة محبة إلى وعاء يمتلئ باليأس والغضب المكتوم.
شرارة الجنون والتخطيط البارد
في عام 2013، بلغت التراكمات النفسية ذروتها. وفي إحدى الليالي، بينما كانت منى تجلس وحيدة يائسة تشاهد فيلماً وثائقياً يستعرض إحدى الجرائم، التمعت في ذهنها فكرة سوداء. الفيلم الذي شاهدته لم يكن سوى الشرارة التي فجرت برميل البارود بداخلها، لتقرر أن الحل الوحيد لإنهاء 11 عاماً من العذاب هو إزاحة الزوج من الوجود.
المخيف في قضية منى ليس فقط الجريمة، بل التحول النفسي المرعب. فقد خططت السيدة التي لم تؤذِ حشرة في حياتها لجريمتها على مدار شهر كامل، بهدوء تام وبدون أن يطرف لها جفن أو تتراجع خطوة واحدة. اشترت السم خلسة، وبدأت في رسم سيناريو الخلاص.
ليلة الكوارع المسمومة
اختارت منى وجبة “الكوارع” الدسمة لتكون الوجبة الأخيرة في حياة محمد. دست السم القاتل بعناية في الطعام، وقدمته لزوجها العائد من عمله. تناول محمد الطعام، وسرعان ما بدأت أعراض التسمم تفتك به.
ولكي تتأكد من أن خطتها لن تفشل، وأن الرجل الذي أذاقها العذاب لسنوات سيلفظ أنفاسه الأخيرة، اقتربت منه في لحظات ضعفه وانقضت عليه تخنقه بيديها حتى فارق الحياة.
المفارقة المروعة، والتي كشفت عن حجم الحقد الدفين، هي اعترافها اللاحق في التحقيقات بأنها “كانت تتمنى لو أن حماتها تناولتها من نفس الوجبة لتموت مع ابنها!”.
مسرحية ساذجة وسقوط سريع
بعد أن تأكدت من وفاته، قامت منى بخطوة يائسة لتغطية الجريمة. جمعت طفليها، وفي مشهد تقشعر له الأبدان، لقنتهما ما يجب قوله: “قولوا للجميع إن بابا رجع بالليل تعبان، نام وما صحيش”.
اتصلت بالإسعاف محاولة اصطناع الحزن والهدوء. لكن، بمجرد وصول المسعفين ورجال المباحث إلى مسرح الجريمة، انهارت المسرحية الساذجة.
كانت جثة الزوج تصرخ بالحقيقة؛ آثار الخنق واضحة كالشمس حول رقبته، ملامح وجهه مشوهة بفعل السم، والأهم من ذلك، تلك “الخدوش” الواضحة على يدي منى والتي تدل على مقاومة الزوج لها في لحظاته الأخيرة. أضف إلى ذلك، كانت إجابات الطفلين محفوظة ومكررة بطريقة أثارت شكوك المحققين فوراً.
النهاية العادلة لقضية معقدة
بعد تضييق الخناق عليها ومواجهتها بالأدلة التهمت منى بالبكاء، وانهارت لتروي 11 عاماً من العذاب الذي انتهى بجريمة بشعة. أثبت تقرير الطب الشرعي وجود السم في بقايا الطعام، وأُحيلت الزوجة التي لم يكن لها أي ماضٍ إجرامي إلى المحاكمة بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
أسدلت المحكمة الستار على قضية “الكوارع المسمومة”، لينال كل مخطئ عقابه. لكن ملف هذه القضية سيبقى مفتوحاً في أروقة علم النفس الجنائي كدليل قاطع على أن البيوت التي تُبنى على الإهانة وتفتقر إلى الحوار، والتي يُسجن فيها الإنسان خلف جدران الصمت والقهر، قد تنجب في النهاية مجرمين لم يكن أحد يوماً ليتخيل أن تتلطخ أيديهم بالدماء.
