ملفات “أغرب من الخيال”: “مقاول الأرواح” في المغرب.. عندما يُصبح الموت تجارة رابحة
في عالم الجريمة، غالباً ما يكون الدافع هو الانتقام، الغيرة، أو الغضب الأعمى. لكن في قضيتنا اليوم القادمة من المملكة المغربية، كان الدافع هو “الجشع” الصامت والمطلق. جريمة لا تعتمد على القوة البدنية أو الأسلحة النارية، بل على الدهاء، التزييف، واللعب بورقة الموت ذاتها. قصة رجل قرر أن يحول الموت إلى صناعة تدر الملايين، ليُعرف في سجلات الشرطة بلقب غريب ومرعب: “مقاول الأرواح”.
الضربة الافتتاحية: حوادث مأساوية أم سيناريوهات سينمائية؟
بدأت القصة بسلسلة من الحوادث المرورية المروعة على طرق سريعة ونائية. سيارات تنقلب وتحترق بالكامل، وجثث تتفحم بداخلها بحيث يستحيل التعرف على ملامحها أو بصماتها. في كل مرة، يخرج تقرير الشرطة الروتيني ليقيد الحادث ضد مجهول أو كقضاء وقدر نتيجة السرعة الزائدة.
وبعد كل حادث بأيام قليلة، تتقدم عائلات الضحايا – وهم في الغالب من الطبقات الفقيرة أو المهمشة – إلى شركات التأمين لصرف بوالص تأمين على الحياة بمبالغ طائلة جداً، تم التأمين بها قبل وقوع “الحوادث” بفترات قصيرة.
مسرح الجريمة: مسرحية الموت الوهمي
لم يكن مسرح الجريمة الحقيقي هو الطرق السريعة المشتعلة، بل كان الغرف المغلقة وعقول المحتالين. كان “المقاول”، وهو العقل المدبر لهذه الشبكة، يستهدف أشخاصاً يمرون بضائقة مالية خانقة، ويقنعهم بتوقيع عقود تأمين ضخمة على حياتهم، ثم يقوم بترتيب “حادث وفاة” وهمي لهم!
كيف كان يفعل ذلك؟ كان “المقاول” يشتري جثثاً حقيقية مجهولة الهوية من بعض حراس المشارح معدومي الضمير، أو يستغل حوادث فعلية لأشخاص لا أهل لهم. يضع الجثة في السيارة، يضع معها بطاقة هوية ومقتنيات “العميل” الذي يرغب في تزييف موته، ثم يضرم النار في السيارة بأكملها. العميل “الميت” يحصل على جزء من مبلغ التأمين ليبدأ حياة جديدة بهوية مزيفة في مدينة أخرى، بينما يحصد المقاول وعائلة العميل الباقي.
التحقيق (العقدة): شكوك في غرف التأمين
استمرت هذه اللعبة الشيطانية لسنوات، وحصد “مقاول الأرواح” ثروات خيالية. لكن كثرة الحوادث المتشابهة (سيارات محترقة بالكامل في مناطق نائية)، وتكرار أسماء بعض المحامين والوسطاء الذين يتولون استخراج أوراق صرف التأمين، أثار ريبة محققي شركات التأمين والمباحث الجنائية.
انتقل الملف إلى أروقة الشرطة، وهنا كانت العقدة: كيف تثبت أن الميت حي يُرزق، بينما الأوراق الرسمية سليمة، وشهادات الوفاة مختومة، والقبور شاهدة على الدفن؟ كان المحققون يطاردون أشباحاً لا وجود لها في السجلات الرسمية.
الخيط الرفيع: الميت الذي عاد ليشتري السجائر!
تأتي الرياح دائماً بما لا يشتهي المجرمون، وغالباً ما تكون نهاية أذكى الخطط على يد أغبى الأخطاء.
في إحدى المدن البعيدة، كان أحد ضباط الشرطة يسير في السوق مرتدياً ملابسه المدنية، وتوقف لشراء بعض الأغراض من متجر صغير. وهناك، التقت عيناه بوجه مألوف جداً.. وجه رجل كان الضابط نفسه قد حقق في حادث وفاته وتفحم جثته قبل عامين وقدم التعازي لأسرته!
حاول “الميت” الهرب بمجرد أن التقت الأعين، لكن الضابط طارده وألقى القبض عليه. وفي غرفة التحقيق، انهار الرجل سريعاً، واعترف بأنه باع هويته وحياته السابقة لـ “مقاول الأرواح” مقابل ثروة، وأنه يعيش بهوية مزيفة منذ ذلك الحين.
المحاكمة والنهاية: سقوط إمبراطورية الوهم
كان هذا الاعتراف الساذج هو حجر الدومينو الذي أسقط الشبكة بأكملها. توالت الاعتقالات والمداهمات لتشمل “المقاول”، والموظفين الفاسدين الذين سهلوا التزوير، وبعض أفراد العائلات المتواطئين.
في قاعة المحكمة، وقف مجموعة من “الموتى” جنباً إلى جنب أمام القاضي في مشهد سريالي لا يُصدق. صدرت أحكام قاسية ومشددة بالسجن لمدد طويلة على العقل المدبر وجميع شركائه، لتُغلق واحدة من أذكى وأغرب قضايا الاحتيال في التاريخ الجنائي العربي، ولتؤكد أن من يتلاعب بالموت.. لا بد أن يحترق بناره في النهاية.
